تحتفل مصر هذا الشهر بمرور ٢٠٠ عاماً على تأسيس وزارة الخارجية ، ومنذ تأسيسها تواصل الخارجية المصرية أداء رسالتها المهمة فى جعل استشراف المستقبل ممارسة مؤسسية تقوم علي التكامل والشراكات والاستثمار فى المعرفة والإنسان ، بما يتناسب مع مكانة مصر على المستويين الدولي والإقليمي وتوظيف ما تملكه من خبرات دبلوماسية متراكمة ، ومنذ تأسيسها مثّلت وزارة الخارجية منصة فاعلة لكوادر وطنية تتمتع بمهارات تنفيذية متقدمة وعقلية استشرافية بما يبرز أن الاستثمار فى الإنسان محور مشروع وطني للدولة المصرية ومؤسساتها .
ولم تكن مصر يوماً غريبة عن ساحة التعاون التنموي، ولا بعيدة عن طموح دول الجنوب في أن تشق مساراتها التنموية بإرادتها، وقد أدركت الدبلوماسية المصرية -منذ عقود- أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بمعدلات النمو بل بما تتيحه من فرص للإنسان، وبما تُحدثه من أثر في وعيه وتعليمه وقدراته، ولعل الإدراك بأن الإنسان هو أساس التنمية وركيزتها هو ما يقف وراء فلسفة الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، التي لا ترى نفسها جهة مانحة أو مؤسسة تقدم دعم تقني من الأعلى إلى الأدنى، بل شريكاً تنموياً فاعلاً يمد يده إلى شركائه في دول الجنوب لتبادل المعرفة وبناء القدرات من أجل مستقبل أكثر استدامة.
لقد أثبتت تجارب التنمية في العالم، بما فيها التجربة المصرية ذاتها، أن الموارد المالية لا تصنع النهضة وحدها، إذا لم يواكبها استثمار في الإنسان ذاته. فالإنسان ليس فقط الهدف من عملية التنمية، بل هو أداتها ومحرّكها. من هنا جاء تركيز الوكالة على بناء القدرات كأحد أعمدة عملها، ليس بمعناه الضيق الذي يقتصر على التدريب الفني فقط، بل بمعناه الأوسع الذي يشمل تمكين المؤسسات وتطوير نظم الإدارة وإتاحة أدوات المعرفة الحديثة، لأن المؤسسات القوية والعقول المؤهلة هما الضمانة الوحيدة لاستدامة أي مسار تنموي.
وتنطلق الوكالة في عملها وفقاً لمنهج وطني يرسخ فكرة أن التنمية ليست سلعة تُنقَل من مكانٍ إلى أخر، بل عملية تشاركية تقوم على تقاسم الخبرات وتبادل الدروس المستفادة. ولذلك، جاءت أدواتها متعددة ومتنوعة: برامج تدريبية متخصصة، منح دراسية، قوافل طبية، وإيفاد خبراء في مجالات حيوية. وقد أسفرت هذه الجهود عن تدريب الاف المتدربين من دول الجنوب، فضلًا عن إيفاد فرق طبية وخبراء مصريين إلى دول شقيقة، في مشهد يُترجم فكرة الاستثمار فى الموارد البشرية وبناء القدرات إلى واقع ملموس .
وعندما نتحدث عن واقع ومستقبل مسارات التنمية ، نجد أن أبرز ما يميز تجربة الوكالة فى دعم مسارات التنمية ليس الأرقام وحدها، بل طبيعة الرؤية التي تحكمها، فهي لا تقتصر على تعاون ثنائي تقليدي، بل تنفتح على شراكات ثلاثية ومتعددة الأطراف، إدراكًا منها أن التحديات المعقدة التي تواجه دول الجنوب – من تغير المناخ إلى الأمن الغذائي والمائي – لا يمكن التصدي لها إلا عبر جهود جماعية. لذلك، عززت الوكالة تعاونها مع مؤسسات إقليمية ودولية فاعلة في العمل التنموي مثل هيئة الجايكا اليابانية، وسعت إلى توسيع قاعدة الشركاء لتشمل أطرافًا من القطاع الخاص والمجتمع المدني، مما يمنح برامجها أفقاً أوسع وأثراً أعمق.
واستناداً إلى منطق تحويل الجغرافيا إلى قيمة مضافة وتحويل الحضور السياسي إلى مفهوم الأثر التنموي، تولى الوكالة اهتماماً خاصاً بالدول الشقيقة فى القارة الإفريقية، التي ترى فيها مصر امتداداً طبيعياً لهويتها ومسؤوليتها، فالرهان على إفريقيا ليس رهاناً جغرافياً أو سياسياً فحسب، بل هو إيمان عميق بأن مستقبل القارة لا يُبنى إلا بإمكاناتها الذاتية وبقدرات أبنائها وإدراك متواصل لفكرة أن المستقبل هو حالة مستمرة من التطور والتحديث. ومن هنا كان تركيز الوكالة على المساهمة فى جهود الإرتقاء بالكوادر الإفريقية لجعلها قادرة على قيادة التحول في قطاعات حيوية مثل الصحة والزراعة وإدارة المياه ومرفق العدالة، وهي القطاعات التي تمس صميم حياة المجتمعات وتُعدّ أساساً لبناء اقتصاد منتج ومجتمع مستقر، وقد أكد وزير الخارجية الدكتور/ بدر عبد العاطي خلال اللقاءات التى عقدها على هامش اجتماع وزراء خارجية ” كوريا – أفريقيا – على مواصلة مصر الإنخراط فى برامج التعاون الثلاثي مع عدة دول فى مقدمتها كوريا الجنوبية وأن الدولة المصرية تضع التنمية فى صلب تفكيرها المؤسسي . كما تساهم الدبلوماسية المصرية بدور محوري فى تنفيذ أجندة 2063 التى تمثل الاستراتيجية طويلة المدي للاتحاد الأفريقية نحو تكامل قاري فاعل يحقق طموحات شعوب القارة السمراء .
وامتداداً لهذا التفكير المؤسسي ، فإن ما تطرحه الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية هو رؤية أعمق من الأطروحات التقليدية للتعاون التنموي الدولي، فهي لا تتعامل مع دول الجنوب كمتلقٍ للمساعدات، بل كشركاء في صياغة المستقبل. وهي لا تكتفي بتقديم المعرفة، بل ترى في نقلها فرصة لبناء الثقة وتبادل التجارب وصياغة حلول تتناسب مع الواقع المحلي لهذه الدول. بهذه الفلسفة فإن الوكالة تعد من أبرز منابر دبلوماسية التنمية التي تعكس كيف ترى مصر دورها في عالم اليوم: دولة رائدة فى أطر تعاون الجنوب- الجنوب سواء التقليدية أو المستحدثة ، لا تكتفي بمراكمة خبراتها لنفسها، بل تعتبر تقاسمها واجباً أصيلاً عبر شراكات متكاملة تستهدف النماء والازدهار .










