هناك أخبار لا تقرأ بالعين فقط، بل تتلقاها القلوب قبل أن تنطق بها الكلمات. وأحداث تتجاوز حدود الخبر العابر لتتحول إلى وجعٍ إنساني عميق يترك أثره في النفوس ويثير أسئلة لا يمكن تجاهلها.
هكذا كان وقع خبر وفاة المعلمة الفاضلة صفاء علي محمد، كبير أخصائيي التربية الاجتماعية بمدرسة التجارة المتقدمة بمحافظة أسوان، التي غادرت منزلها حاملة أمانة التعليم ورسالة الواجب، متوجهة إلى محافظة البحيرة للمشاركة في أعمال امتحانات الدبلومات الفنية، لكنها لم تعد كما اعتادت إلى أسرتها ومحبيها، بل عادت محمولة على الأكتاف وسط دعوات المودعين ودموع المشيعين.
رحلت الشهيدة صفاء وهي تؤدي واجبها المهني، تاركة خلفها أسرة مكلومة وقلوبًا يعتصرها الحزن، وزملاء لم يستوعبوا بعد أن المقعد الذي كانت تشغله سيظل خاليًا، وأن الابتسامة التي اعتاد الجميع رؤيتها قد غابت إلى الأبد.
وفي مشهد جنائزي مهيب، خيم الحزن على محافظة أسوان بأكملها. فلم يكن المشيعون يودعون معلمة فحسب، بل كانوا يودعون نموذجًا للمعلمة المخلصة التي أفنت سنوات عمرها في خدمة العملية التعليمية، مؤمنة بأن رسالتها مسؤولية وطنية وأمانة أخلاقية قبل أن تكون وظيفة.
وقد جسدت مراسم التشييع حجم المحبة والتقدير الذي حظيت به الراحلة من بين أبناء مجتمعها وزملائها وطلابها، حيث امتزجت مشاعر الحزن بالفخر بسيرتها الطيبة وعطائها الممتد داخل المؤسسات التعليمية.
وفي خضم هذه اللحظات المؤلمة، برز موقف إنساني نبيل للمهندس عمرو لاشين محافظ أسوان، الذي تابع منذ اللحظات الأولى إجراءات نقل الجثمان، وحرص على الوقوف إلى جوار أسرة الفقيدة ومواساتهم في مصابهم الأليم، مقدمًا واجب العزاء ومشاركًا أهلها وأحباءها مشاعر الحزن والفقد.
ولم يكن هذا الحضور مجرد أداء لواجب رسمي، بل عكس تقديرًا إنسانيًا صادقًا لمعلمة رحلت وهي تؤدي واجبها الوطني والمهني، مؤكدًا أن الدولةومؤسساتها تقف إلى جوار أبنائها في أوقات الشدة والمحن.
غير أن رحيل صفاء علي محمد لم يترك الحزن فقط، بل أعاد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول آليات انتداب المعلمين والمعلمات للمشاركة في أعمال الامتحانات خارج محافظاتهم، وما يترتب على ذلك من أعباء ومخاطر السفر لمسافات طويلة عبر الطرق المختلفة.
ففي دولة تضم مئات الآلاف من الكوادر التعليمية المؤهلة، يظل التساؤل قائمًا حول إمكانية تطوير منظومة توزيع المهام الامتحانية بما يحقق الكفاءة المطلوبة ويحافظ في الوقت ذاته على سلامة المعلمين والعاملين بالقطاع التعليمي، ويحد من مشقة الانتقالات الطويلة بين المحافظات.
إن القضية لا تتعلق بحادثة فردية بقدر ما ترتبط بضرورة مراجعة الإجراءات التنظيمية بما يواكب متطلبات السلامة المهنية ويعزز مناخ العمل الإنساني داخل المنظومة التعليمية، تقديرًا للمعلمين الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية بناء الأجيال وصناعة المستقبل.
كل هذه التساؤلات نطرحها علي مائدة وزير التربية والتعليم.
لقد رحلت صفاء علي محمد، لكن سيرتها ستظل حاضرة في ذاكرة كل من عرفها، وستبقى قصتها شاهدًا على إخلاص معلمة خرجت لتؤدي واجبها بكل أمانة، فعادت تاركة خلفها إرثًا من الاحترام والمحبة والدعوات الصادقة.
رحم الله الفقيدة رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أسرتها وذويها وزملاءها الصبر والسلوان، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها، لتظل ذكراها الطيبة نبراسًا يضيء طريق كل من يحمل رسالة التعليم النبيلة.
أحمد بدوي









