لا تزال العقول تُستباح على الشاشات، ولا تزال شظايا الكلمة المسمومة تنفذ بلا استئذان إلى بيوت الناس، تزرع الشك،وتربك اليقين، وتفتّت الانتماء، في زمن تحول فيه الإعلام من نافذة للمعرفة إلى ميدان حرب مفتوح لا دخان فيه ولا صوت، لكنأثره في العقول أخطر من القذائف.
اليوم، لا نحتاج إلى معسكرات تدريب ولا إلى جيوش جرارة لاختراق الأوطان، يكفي مقطع فيديو مفبرك، أو وسم مضلل، أومنشور يروج في الظلام، ليهتز وعي أمة، وتتآكل ثقتها في نفسها ومؤسساتها، في ظل غياب الحصن الأهم الا وهوالتربيةالإعلامية.
فكرة بسيطة، لكنها مصيرية، أن نعلم أبناءنا كيف يستهلكون الإعلام، كيف يسألون، كيف يشكون، وكيف يفرقون بين الرأيوالمعلومة، بين الحقيقة والتهويل، بين النقد الهادف والتشويه الممنهج. ما لم نفعل ذلك، فنحن نترك الأجيال الجديدة عُرضةلغسيل العقول، ونسهل على الأعداء مهمة ضرب الأمن القومي من الداخل.
حين تتحوّل الكذبة إلى “تريند”، وحين يصاغ الوعي الجمعي من تغريدة أو “مقطع ساخر”، يصبح الدفاع عن الوطن ليسبالبندقية فقط، بل بفكرة، بتحصين، بقدرة على الفهم والتمييز.
إن ما نواجهه اليوم ليس مجرد سوء استخدام لوسائل الإعلام، بل هو معركة وعي حقيقية، ومن يخسر الوعي، يخسر الوطن.
فهل ندرك أن الطفل الذي يتعلم كيف يقرأ خبراً، ويفهم هدفه، ويفكك رموزه، هو جندي في جيش الوطن؟
وهل نُدرك أن الفتاة التي ترفض محتوى مسيئًا لأنها تعلمت كيف تُقيّمه، هي خط دفاع لا يقل أهمية عن أي نقطة أمنية؟
ولنا في التجربة الاسكندنافية خير دليل على تفعيل الحصانة الإعلامية لابنائها وذلك عبر منهج التربية الإعلامية الذي يدرسفي المدرسة، حيث تدرس فنلندا والسويد مادة التربية الإعلامية منذ السبعينات بالمدارس، والنتيجة الان هي أن 73% منالمتعلمين قادرين على كشف المعلومات المضللة والغير صحيحة، وأن السويدين قادرين على الوصول المباشر للمصادر الرسميةومؤسسات الأخبار الموثوقة على عكس مصر والدول العربية التي تعتمد على السوشيال ميديا كمصدر للأخبار والمعلومات ممايجعلهم أكثر عرضة للتضليل والشائعات.
نقدر جهود الدولة في مواجهة خطاب الكراهية والشائعات، ونثمّن إطلاق مبادرات التوعية، ولكننا نؤمن أن بناء الوعي لا يتمبقرار فوقي، بل يبدأ من المدرسة، من الفصل، من الحصة، من مادة تُدرّس، من إعلام وطني يُشرك الناس لا يُملي عليهم.
نريد تعليم أبنائنا ألا يكونوا مجرد متلقين، وانما نريدهم مفكرين أن يسألوا “من كتب؟ ولماذا؟ ولمن؟”، فبهذا فقط نحميعقولهم، وبهذا فقط نصون وطنًا لا نملك أغلى منه.
فالوطن لا يُسرق دائمًا برصاصة، بل قد يُسرق بصمت، حين نغفل عن زرع الحصانة الإعلامية في نفوس من سيحملونالراية بعدنا.
الدكتور : محمد صلاح









