تابعت باستمتاع وانبهار دروسا في الذوق واللياقة واقتناص الحق بكل بساطة وبذكاء شديد من الملك تشارلز الثالث، أثناء زيارته للولايات المتحده الأمريكية الأسبوع الماضي للاحتفال بمرور 250 عاماً على توقيع إعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، وإلقاءه خطاب امام الكونجرس الأمريكي بدا فيه وكأنه يرد على تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب …
، كان الملك دبلوماسياً وذكياً جدا، ومرر رسائل هامة وهادئة بخفة ظل.
ظهرت نكاته عفوية، لكنها في الحقيقة كانت رؤوس نووية حين ضحك وهو يتحدث عن “العلاقة الخاصة” بين بريطانيا وأمريكا، لم يكن يردد شعاراً قديماً. فهذا المصطلح الذي أطلقه “تشرشل” يمثل تحالفاً تاريخياً، وأراد الملك بذكاء أن يؤكد أن لندن لا تزال شريكاً قوياً ونداً لواشنطن، وليست تابع لها.
في خطابه أمام الكونجرس، قال جملة بسيطة: “اليوم نتحدث الإنجليزية… وأحيانًا الفرنسية.”
الجملة شكلها عادي، وضحك البعض، لكنها إسقاط تاريخي وتذكير بأن العلاقات بين الدول تتغير، وأن التحالفات ليست ثابتة. وفيها أيضًا رد ذكي غير مباشر على تعليق سابق لـ دونالد ترامب حين قال: “لولا أمريكا… لكنتم الآن تتحدثون الألمانية”، في إشارة إلى دور الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية وهزيمة أدولف هتلر.. لم يرد بشكل مباشر… لكن رده اكد أن اللغة التي نتحدثها اليوم ليست فضل طرف واحد فقط.
جلالته لا يتدخل في السياسة بشكل مباشر، لكنه يتقن فن التلميح. يعرف كيف يضع الكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة، ليترك أثراً في نفوس الحاضرين دون أن يثير أي صدام. وهذه هي الدبلوماسية البريطانية العريقة: إيصال الرسالة بهدوء تام وعقلانية .
ما لفت نظري هو شخصية الملك نفسه خلف الأضواء. أتذكر حين قابلته في مؤتمر برواندا، كان يتصرف ببساطة مدهشة ويستمع للجميع باهتمام كبير. وقف معنا وتحدث الينا كان مثقفا جداً ودارس لمصر وتاريخها وآثارها ويحب التفاصيل، أظهر معرفة حقيقية وتقديراً كبيراً لها ولتاريخها.
هذا المزيج من الثقافة والتواضع هو ما يجعل لخطاباته طعماً مختلفاً.
وفي العشاء قدم الملك لترامب جرسا يعود لغواصة بريطانية من الحرب العالمية الثانية يحمل اسم السفينة وسنه ١٩٤٤الغواصة بالصدفة اسمها ترامب شاركت في قائلا اذا احتجت اي مساعدة اطرق الحرس مرتين
، لم يكن حديثه مزاحا كل نكتة او سخرية ، كانت تأتي في توقيتها ولها معناها، في عالم السياسة،
تحية للملك تشارلز الثالث الذي أبهرنا وأبهر العالم بثقافته وتواضعه وقوته وأعطى درساً للجميع كيف يكون الخطاب الزكي










