لم يعد مستقبل السيارة ذاتية القيادة مرتبطًا فقط بالشركات العالمية الكبرى أو النماذج التجارية مثل “تسلا”، بل أصبح جزءًا من أبحاث أكاديمية تحاول فهم سؤال أكثر تعقيدًا: كيف تفكر السيارة في معمل الأنظمة ذاتية القيادة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي أسسه الدكتور عمرو الموجي عام 2023، يعمل فريق بحثي متعدد التخصصات على تحويل هذا السؤال إلى مشروع عملي يدمج بين التكنولوجيا والأخلاق وعلم النفس والواقع المحلي في مصر.

يوضح الدكتور عمرو الموجي استاذ مشارك بكلية هندسة الامريكية أن معظم الأنظمة الحالية ما زالت تعتمد بدرجة أو بأخرى على الإنسان، سواء في إصدار الأوامر أو مراقبة الأداء.
ويقول: إن “الخطوة القادمة التي يعمل عليها الفريق هي الوصول إلى قيادة ذاتية بالكامل دون تدخل بشري، بحيث يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان في اتخاذ القرار الكامل داخل السيارة”. لكن الموجي يشير إلى أن هذا التطور لا يمكن فصله عن البعد الأخلاقي والسيكولوجي، خاصة في بيئة معقدة مثل الشوارع المصرية.
ويضيف أن المشروع يدرس “التحديات الخاصة بطبيعة الشارع المصري، وسلوك المرور، وكيفية بناء ثقة نفسية لدى المستخدمين في قرارات السيارة الذاتية”. من جانبها، توضح الدكتورة علياء، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أن أحد أهم محاور المشروع هو حماية خصوصية المستخدمين وضمان أمان البيانات، إلى جانب تقليل احتمالات اتخاذ قرارات خاطئة من قبل الأنظمة الذكية.
وتؤكد أن بناء الثقة في السيارات ذاتية القيادة لا يعتمد على التقنية وحدها، بل يحتاج إلى إطار قانوني وأخلاقي واضح.
وتقول إن “المسؤولية النهائية تظل مسؤولية الإنسان، وليس الآلة”، مشيرة إلى أن أحد الأسئلة الأساسية في المشروع هو: من يتحمل الخطأ إذا وقع حادث؟

المثير في المشروع ليس فقط الفكرة، بل تنوع الفريق البحثي نفسه. فالمعمل لا يضم طلاب الجامعة الأمريكية فقط، بل يفتح الباب أمام طلاب من جامعات حكومية وخاصة مختلفة، في نموذج قائم على التنافس العلمي والتكامل المعرفي.
ويقول الموجي إن هذا النهج هو جزء من فلسفة الجامعة، مضيفًا أن “أي مشروع بحثي يُطرح كفرصة مفتوحة لأي طالب من أي جامعة للتقدم بأفكاره ومهاراته”. ويشير إلى أنه نفسه خريج جامعة عين شمس، وهو ما يجعله حريصًا على دمج طلاب الجامعات الحكومية في المشروعات البحثية.

داخل الفريق، تتعدد التخصصات وتتنوع المهام بين البرمجة والميكانيكا والذكاء الاصطناعي والنمذجة الرياضية وأمن الأنظمة.
تقول نورهان جمال، طالبة بهندسة عين شمس، إنها تعمل على تعزيز ثقة المستخدمين في السيارات ذاتية القيادة.
بينما يوضح حلمي أحمد، من ميكاترونيكس جامعة حلوان، أن دوره يتمثل في تفسير قرارات نموذج القيادة الذاتية وتحسينها لتجنب أخطاء النظام.
ويعمل جمال زايد، من هندسة جامعة القاهرة، على تطوير نموذج رياضي وحسابي يهدف إلى تقليل احتمالات الحوادث التي قد تتعرض لها الأنظمة الذكية.
أما يوسف كرم، من ميكاترونيكس عين شمس، فيركز على تحويل السيارات التقليدية إلى سيارات ذاتية القيادة، وربط المركبات ببعضها أثناء الحركة على الطريق.
ويضيف جون ماجد، من هندسة عين شمس، أنه يعمل على ضمان بقاء السيارة في مسارها بأمان ودقة عالية أثناء القيادة الذاتية.
ويشارك محمد سمير، من هندسة الإسكندرية، في تطوير أنظمة تحول القيادة التقليدية إلى قيادة ذاتية، مع محاولة تمكين السيارة من “الإدراك البصري” دون الاعتماد الكامل على الحساسات التقليدية.
أما علي عمران، من الجامعة الألمانية، فيعمل على تأمين أنظمة القيادة الذاتية ضد الهجمات الإلكترونية، من خلال اختبار اختراق أنظمة الرؤية والكاميرات والرادار لضمان عدم تعرضها للاختراق.

بين الأخلاق والهندسة، وبين الخوارزميات وسلوك البشر، يحاول هذا الفريق أن يرسم ملامح جيل جديد من السيارات الذكية، جيل لا يعتمد فقط على القدرة على القيادة، بل على القدرة على اتخاذ قرار آمن ومسؤول في عالم شديد التعقيد.
وفي النهاية، يؤكد الباحثون أن الهدف ليس استبدال الإنسان، بل بناء نظام يمكن للإنسان أن يثق فيه… حتى وهو لا يقود.











