في فيلم “برشامة” الذي أثار جدلاً واسعاً، ظهر مراقب الامتحانات باعتباره الحلقة الأضعف في المشهد كله. شخصية تتلقى الإهانات والضرب والسخرية ، وكأن وجوده داخل اللجنة بلا قيمة حقيقية. رغم جديته وصرامته ومحاولة أداء دوره بأمانة ورفضه للرشوة والمساومات ..كان المشاهد يظن أن هذه صورة كوميدية مبالغ فيها فرضتها ضرورات الدراما، لكن يبدو أن الواقع قرر أن يزايد ويتفوق على هذا السيناريو !
ففي الوقت الذي تصدر فيه تصريحات بمواجهة الغش الإلكتروني واستعادة هيبة الامتحانات، نجد أخصائية اجتماعية كبيرة تبلغ من العمر 59 عاماً، تؤدي واجبها داخل لجنة الشهادة الإعدادية كمراقبة دور ، وتضبط هي -ومراقبى اللجنة -طالبة بحوزتها هاتف محمول وتسمعها بنفسها وهى تغش، وتحرر المحضر اللازم، وتبلغ الإدارة المختصة، ثم تكون المفاجأة أن ينتهي المشهد بخصم خمسة أيام من راتبها! وهى على أعتاب انتهاء حياتها الوظيفية بخروجها على المعاش يكون تكريمها بهذا الشكل المخزي!!!
المفارقة المؤلمة. انه في الفيلم كان المراقب يُهان على سبيل الكوميديا وخلق الإفيهات، أما في الواقع فإن العقوبة تأتي بقرار رسمي. في الفيلم كان المشاهد يضحك على قلة حيلة المراقب واعتداء الطلاب عليه، أما في الواقع المراقب نفسه قد يتساءل: لماذا أخاطر وأمنع الغش ما دام الثمن قد يكون جزاءً يوضع في ملفي الوظيفي؟
الطالبة غشت وتم ضبطها وهى تحمل الهاتف وتخالف القواعد فما هو المطلوب من المراقبين ومشرفي الأدوار؟!.. هل حماية الغشاشين وتأمينهم (دعه يغش دعه ينجح) أم المطلوب من المراقب أن يحمي نزاهة الامتحان وباقى الطلاب . وما هى الرسالة التي تصل إلى بقية المراقبين عندما يرون أن من اكتشف المخالفة وأبلغ عنها أصبح هو محل عقاب؟
الواقعة التى اتحدث عنها وقعت فى مدرسة بالجيزة وأرسلت تفاصيلها لمكتب الوزير ومدير التعليم بالجيزة للتحقيق واتخاذ ما يلزم ..
فقد كنا دائما فى قضية جدلية هل السينما مرآة للمجتمع تعكس ما يدور فيه أم أنها تُصدر له ما ليس فيه وتغير فى طبيعته حتى يفاجئنا الواقع كل يوم بما هو يفوق خيال المؤلفين فإذا كان الفيلم بشكل كوميدي قدم صورة المراقب الذى يمارس عمله رغم مرضه ومع ذلك يتعرض للإهانة وعدم التقدير لكن واقعنا قدم ماهو اكثر كوميدية منه وهي ان مراقبة دور تُجازى بعد أداء واجبها ، والسؤال المهم: هل سيكون هناك حماس لمواجهة الغش ام سيكون التجاهل هو الخيار الأسهل!! ومن سيجرؤ على مواجهة الغش إذا كان ثمن الالتزام أكبر من ثمن الصمت؟!!.









