أوضح الدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي، أن فيلم «برشامة» لا يبدو مجرد عمل كوميدي اجتماعي عن الغش في الامتحانات، بل يقدم دراسة نفسية قاسية لمجتمع يعاني اختلالًا عميقًا في منظومته القيمية والمعرفية.
وأشار إلى أن فيلم «برشامة» يضع المشاهد داخل قاعة امتحانات تكاد تتحول إلى نموذج مصغر وخانق للوطن كله، حيث تتصارع القيم، ويتراجع الضمير، وتصبح الغاية أهم من الوسيلة، بينما يتحول الغش من سلوك فردي منحرف إلى ثقافة جماعية كاملة.
ولفت إلى أن أخطر ما يكشفه الفيلم هو التشوه المعرفي لدى أبطاله؛ فالغش لم يعد يُنظر إليه باعتباره خطأ أخلاقيًا، بل باعتباره «شطارة» أو «ضرورة اجتماعية»، مؤكدا أن هنا تتجلى إحدى أخطر الأزمات النفسية:
الطالب لا يشعر بالذنب لأنه مقتنع أن الجميع يفعل الشيء نفسه، وأن النجاح لا يتحقق بالعلم بقدر ما يتحقق بالتحايل والقدرة على اختراق النظام.
وأكد الدكتور محمد المهدي، على أن الفيلم يكشف عجز المنظومة المدرسية والرقابية في السيطرة على الغش، ويتجسد هذا العجز في المراقب المريض والذي فقد الوعي والسيطرة تحت تهديد الأب وظل غائبا أو كالميت أغلب الوقت، ومدرس اللغة العربية الذي خضع للتعذيب بواسطة العمدة ( أبو الطالب) الذي استغل سلطته طول الفيلم ليسهل الغش لابنه.
وأضاف أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، أن الفيلم يرصد أيضًا انهيار مفهوم التربية داخل الأسرة، فالأب الذي يفترض أن يغرس قيمة الاجتهاد، يصبح شريكًا في الجريمة الأخلاقية، حريصًا على نجاح ابنه بالغش لا بالتعلم، مشيرا إلى أن هذه الصورة ليست مجرد موقف درامي، بل دلالة على انتقال الفساد من مستوى الفرد إلى مستوى التنشئة الاجتماعية.تعليم
وتابع أن الإبن في فيلم “برشامة” الذي يرى والده يساعده على الغش يتعلم ضمنيًا أن القيم قابلة للبيع حين تتعارض مع المصلحة.
وأوضح أن من أكثر المشاهد دلالة واستفزازًا استغلال المسجد في تسهيل الغش، وهي إشارة بالغة العمق إلى التشوه الديني داخل المجتمع، فالفيلم لا ينتقد الدين بقدر ما يفضح التدين الشكلي الذي يفصل بين العبادة والأخلاق والمسجد، الذي يفترض أن يكون رمزًا للضمير والرقابة الداخلية، يتحول إلى أداة مساعدة على التحايل، وكأن المقدس نفسه جرى توظيفه لخدمة الفساد اليومي.
وتابع أن الغش يبدو في فيلم «برشامة» ( وأيضا في الحياة ) كظاهرة عابرة للأجيال فهناك الطفل ثم المراهق ثم الشاب ثم وسط العمر ثم العجوز، وهذه إشارة خطيرة تؤكد فكرة التغلغل في كل الأعمار رجالا ونساءا.
وأشار إلى أن فيلم “برشامة” يكشف عن نزعة عدوانية تجاه من يرفضون الغش أو يتمسكون بالنزاهة، فالطالب الشريف لا يُعامل باعتباره نموذجًا إيجابيًا، بل باعتباره تهديدًا للجماعة، معلقا أن هنا تظهر آلية نفسية معروفة في المجتمعات المأزومة: الجماعة الفاسدة تعادي كل من يذكرها بانحرافها، لأن وجود شخص نزيه يوقظ الشعور المكبوت بالذنب.
وأضاف أن عبقرية الفيلم الفنية تتجلى في أن معظم أحداثه تدور داخل لجنة امتحان واحدة، هذا الاختيار الإخراجي منح العمل كثافة نفسية عالية، وجعل القاعة تبدو كأنها مختبر اجتماعي مغلق وخانق يكشف حقيقة البشر تحت الضغط، فالجميع داخل اللجنة في حالة توتر وخوف وسعي محموم للنجاة، وكأن المجتمع بأسره يعيش امتحانًا أخلاقيًا مستمرًا.














