في مدينةٍ لا تهدأ مثل القاهرة، حيث يتدفق البشر كالنهر، وتتصاعد الأصوات كأنها موجٌ لا ينكسر، تبرز الحاجة إلى لحظة صفاء، إلى مساحةٍ صغيرة من الجمال تُقاوم قسوة اليومي. هنا تتجلى رؤية الدكتورة جيهان زكي، التي لا ترى الثقافة رفاهيةً تُقدَّم من أعلى، بل حياةً تُعاش بين الناس.
لم تعد الثقافة، في هذا التصور، حبيسة الجدران ولا أسيرة النخب، بل خرجت إلى الشارع، إلى الميدان، إلى حيث يمر الناس كل يوم دون أن ينتبهوا أنهم يستحقون لحظة جمال. ولعل من أكثر صور هذه الرؤية حيوية، تحويل محطات مترو أنفاق القاهرة إلى مسارح مفتوحة، تعزف فيها الموسيقى، وتُغنّى الأغاني، وتُقدَّم عروض فنية تعيد للروح توازنها.
في تلك المحطات، التي تختزن تعب ملايين البشر، يمكن لعازفٍ بسيط أن يخلق عالماً من الدفء، ولأغنيةٍ عابرة أن تُخفف وطأة الزحام، ولعرضٍ صغير أن يُعيد الابتسامة إلى وجوهٍ أنهكها الركض اليومي. وحين يظهر الأراجوز المصري، بضحكته الساخرة وحكمته البسيطة، فإنه لا يُسلي فقط، بل يُذكّرنا بأن هذا الشعب لم يفقد قدرته على الضحك رغم كل شيء.
لكن هذه الرؤية لا تتوقف عند قلب العاصمة، بل تمتد بعيدًا، إلى الأطراف التي ظلت طويلًا خارج الضوء. إلى تلك الأماكن التي لا تصلها الكاميرات، ولا تُذكر كثيرًا في نشرات الأخبار، لكنها تحتضن بشرًا لهم الحق نفسه في الجمال والمعرفة. في شلاتين، وفي قرى الجنوب والنجوع البعيدة، لم تكن زيارات الدكتورة جيهان زكي مجرد جولات رسمية، بل كانت رسائل واضحة بأن الثقافة لا تعرف مركزًا أو هامشًا.
هناك، في تلك المسافات البعيدة، يصبح للفعل الثقافي معنى مختلف. عرضٌ بسيط قد يُحدث دهشة، وكتابٌ قد يفتح أفقًا، وورشةٌ فنية قد تكتشف موهبةً لم يكن أحد ينتبه لها. إنها لحظة إعادة توزيع للضوء، بحيث لا يبقى حكرًا على المدن الكبرى، بل يصل إلى كل من يستحقه.
ومن الجنوب أيضًا، من ضفاف أسوان، يتجدد الحلم عبر الفن، حيث يأتي افتتاح سمبوزيوم النحت ليعيد ربط الإنسان بالحجر، وبالذاكرة العميقة التي صنعت أعظم حضارات التاريخ. في هذا المكان، حيث تلتقي الشمس بالصخر، لا يكون النحت مجرد فن، بل استعادة لروح المصري القديم، الذي رأى في الحجر حياة، وفي الشكل خلودًا.
أما في الإسكندرية، المدينة التي عرفت دائمًا كيف تكون نافذة على العالم، فإن مهرجان الفيلم القصير يفتح أفقًا آخر، حيث تلتقي الحكايات الصغيرة بالرؤى الكبيرة. هنا، لا يكون الفيلم مجرد صورة، بل سؤال، وتجربة، ومحاولة لفهم العالم بلغة بصرية جديدة. إنه احتفاء بالشباب، بالخيال، وبقدرة الإنسان على الحكي، مهما كانت الإمكانيات محدودة.
هكذا تتكامل الصورة: ثقافة في الشارع، فن في المترو، حضور في الأطراف، إبداع في الجنوب، ورؤية منفتحة على العالم في الشمال. ليست هذه مجرد أنشطة متفرقة، بل مشروع متكامل يسعى إلى إعادة بناء الإنسان المصري، وإعادة وصل ما انقطع بينه وبين ذاته الثقافية.
غير أن الطريق ليس سهلاً. فكل مشروعٍ بهذا الحجم يحتاج إلى أدوات قادرة على تحقيقه، وإلى قيادات تؤمن به وتدافع عنه. ومن هنا، تأتي أهمية تجديد الدماء داخل المؤسسات الثقافية، وإعادة التفكير في آليات العمل، بحيث تصبح أكثر مرونة، وأكثر قدرة على الوصول إلى الناس.
إن ما تقدمه الدكتورة جيهان زكي ليس مجرد إدارة لملف الثقافة، بل محاولة جادة لإعادة تعريفها. أن تعود الثقافة إلى الشارع، إلى القرى، إلى المحطات، إلى حيث يعيش الناس حقًا. أن تصبح جزءًا من حياتهم، لا حدثًا عابرًا في جدولٍ مزدحم.
في النهاية، قد لا تُغيّر أغنية في مترو مصير مدينة، وقد لا يُعيد عرض أراجوز كتابة التاريخ، لكن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق. هي التي تُبقي الروح حيّة، وتُذكّرنا بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين على أن نحلم، وأن نُبدع، وأن نكون بشرًا أكثر إنسانية.









