في مشهد علمي عربي واسع، اختتمت الجامعة الألمانية بالقاهرة فعاليات المؤتمر الدولي العشرين لاتحاد الكيميائيين العرب(ICACU)، الذي عُقد تحت عنوان «الابتكار في الكيمياء ودور الذكاء الاصطناعي من أجل الاستدامة وبناء مستقبل أكثر خضرة»، بعد ثلاثة أيام من الجلسات العلمية والنقاشات البحثية التي استضافها المركز القومي للبحوث بالتعاون مع الجمعية الكيميائية المصرية وجامعة الدول العربية، وبمشاركة أكثر من 350 عالمًا وباحثًا وخبيرًا من مختلف الدول العربية، إلى جانب أكثر من 250 بحثًا علميًا متخصصًا، في محاولة لرسم خريطة طريق جديدة للكيمياء الخضراء وربط البحث العلمي بالصناعة والاقتصاد المعرفي.
وشهد اليوم الختامي الذي استضافته الجامعة الألمانية بالقاهرة حضور نخبة من كبار العلماء والباحثين، من بينهم الأستاذ الدكتور أشرف منصور، رئيس مجلس أمناء الجامعة الألمانية بالقاهرة، و الدكتور سيد مشعل، رئيس الجمعية الكيميائية المصرية ووزير الإنتاج الحربي الأسبق، والدكتور ياسر حجازي، رئيس الجامعة الألمانية بالقاهرة، و الدكتور محمد العزيزي، عميد كلية الصيدلة بالجامعة، إلى جانب عدد من القيادات الأكاديمية والبحثية العربية.
وأكد الدكتور أشرف منصور، خلال كلمته، أن الذكاء الاصطناعي أصبح قوة محورية في إعادة تشكيل مستقبل علم الكيمياء والعلوم الحديثة، مشددًا على أن دمجه في منظومة البحث العلمي لم يعد خيارًا إضافيًا، بل ضرورة حتمية لمواكبة الثورة الصناعية الجديدة وتحقيق التنمية المستدامة.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة داعمة للباحثين، بل تحول إلى شريك رئيسي في صياغة مستقبل العلوم، لما يقدمه من قدرات هائلة في تحليل البيانات المعقدة بسرعة ودقة غير مسبوقة، بما يسهم في تسريع الاكتشافات العلمية وتطوير حلول مبتكرة في مجالات الدواء والطاقة وتحسين العمليات الصناعية الكيميائية، بما يرفع الكفاءة ويخفض الانبعاثات والتكاليف ويدعم الاقتصاد الأخضر.
واستعرض منصور تجربة الجامعة الألمانية بالقاهرة، مؤكدًا أنها ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل جسر يربط مصر وأفريقيا بالعالم، ويربط التعليم بالصناعة اعتمادًا على العلوم الأساسية، مشيرًا إلى أن قوة ألمانيا الحقيقية تنبع من الصناعة المدعومة بالعلم.
وقال إن الجامعة تُعد أكبر جامعة ألمانية خارج حدود ألمانيا، إذ تضم 40% من الطلاب الدارسين بالنظام الألماني خارج ألمانيا، وتمثل 55% من الشهادات الألمانية الممنوحة خارجها عالميًا، ما يجعلها أكبر جامعة ألمانية عابرة للحدود في العالم. كما أشار إلى أنها أول جامعة تطبق نظام بولونيا الأوروبي في أفريقيا والشرق الأوسط، وأول من طبق النظام الأوروبي الكامل للتعليم العالي في المنطقة.
وأضاف أن الجامعة حرصت على أن تكون منصة علمية مفتوحة للباحثين والطلاب، من خلال شبكة تعاون تضم 23 دولة و67 شريكًا استراتيجيًا، إلى جانب بنية تحتية بحثية متقدمة تشمل محطة طاقة شمسية بحثية تنتج 1 ميجاوات، فضلًا عن ابتكارات في استغلال الطاقة الشمسية والرياح مثل “Hyper Fiber System”، والتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع في عدد من المشروعات التطبيقية.
وأكد أن الابتكار داخل الجامعة يبدأ مبكرًا، حيث يمتلك طلاب في السنوات الدراسية الأولى أبحاثًا منشورة في مجلات علمية محكمة، مشددًا على أن “فن التفاصيل الصغيرة هو ما يساعدنا على فهم الصورة الكاملة”، مضيفًا: “فخور بانتمائي للكيمياء، ولابد من الإيمان بالذات والتفاؤل والإيجابية”.
ومن جانبه، شدد الدكتور سيد مشعل على أن انعقاد المؤتمر يأتي في توقيت بالغ الأهمية، في ظل التحديات المناخية والبيئية المتسارعة، التي تفرض على المؤسسات العلمية تبني حلول كيميائية مبتكرة وغير تقليدية، مؤكدًا أن الجمعية الكيميائية المصرية تعمل على دعم ريادة الأعمال العلمية وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة الوطنية والعربية، بما يضمن تحويل الابتكار من داخل المعامل إلى قيمة اقتصادية حقيقية تخدم المجتمع.
وأشار إلى أن الكيمياء لم تعد علمًا نظريًا داخل المختبرات، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء مستقبل أكثر استدامة، خاصة مع تصاعد الحاجة إلى الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الخضراء والصناعات منخفضة الانبعاثات.
وفي لفتة تقديرية عكست روح الوفاء بين رموز العلم، قام الدكتور أشرف منصور بتكريم الدكتور سيد مشعل تقديرًا لإسهاماته العلمية والوطنية الكبيرة، حيث أهداه “درع حجر رشيد”، الرمز التاريخي للعلم والبحث والمعرفة، والذي تعتز به الجامعة الألمانية بالقاهرة باعتباره رمزًا للتواصل الحضاري وجسرًا للمعرفة بين الشرق والغرب.
واختتم المؤتمر أعماله برسالة واضحة مفادها أن مستقبل الكيمياء لم يعد مرتبطًا فقط بالمعادلات داخل المختبرات، بل بقدرتها على قيادة الصناعة الخضراء، ودعم الاقتصاد المعرفي، وصناعة حلول حقيقية لعالم أكثر استدامة.

















