وضع الكاتب الصحفي الدكتور مجدي العفيفي على رفوف المكتبة « مذكرات أنيس منصور ( حكيت وبكيب ) بخط يده في 400 صفحة ، وهي آخر ما خطّه قلم أنيس منصور قبل الرحيل.
هذه المذكرات التي أصدرت دار المعارف وتنشر لأول مرة، قام تلميذه الوفي «الدكتور مجدي العفيفي» بإعدادها وتقديمها للقارئ عبر قراءة نقدية وتحليلية تُضيء العتمات وتستخرج المعاني المستترة بين الكلمات، وتسنعين بـ 100 صورة للتوثيق والتحقيق.
جاء الكتاب في مقدمة وبابين، يضمّان أربعة عشر فصلًا، يتوزع فيها السرد بين الاعترافات المضمَرة، والأسئلة الكبرى التي لم يتوقف أنيس منصور عن طرحها حتى لحظاته الأخيرة.
في الباب الأول «لماذا الحكي ولماذا البكاء؟» يواجه القارئ سؤالًا وجوديًا: هل ما كتبه أنيس منصور كان اعترافًا صادقًا أم محاولة لتبرير حياة عاشها؟ وفيه نقرأ النصّ الكامل للمذكرات، كما كتبها، إلى جانب مقاربة تحليلية تستجلي ما وراء العنوان، وما بين السطور، وما بعد الصمت.
وسردية «حكيت وبكيت» – وهي جوهر الكتاب – تتكون من عشرة فصول أو عشر دمعات، كل دمعة تتوزع على عدة صفحات تصور العلاقة بين أنيس وفتاته الإيطالية «سينا» التي أحبها حبا ملأ قلبه واستولى على كيانه حتى قرر الزواج منها وذهبا الاثنان الى الفاتيكان لنيل موافقة البابا..
لكن القدر كان له كلمة أخرى ، إذ انتزع ملك الموت روحها في عنفوان العلاقة التي تداخلت فيها العاطفة بالفلسفة بالحب والشعر والسرد والذكريات والقضايا الشائكة في العلاقة بنين الرجل العربي الشرقي والمرأة الغربية الإيطالية، والإحساس بالفقد وهو القاسم المشترك الأعظم في سردية الحكي والبكاء والقلم والألم.
أما الباب الثاني، «نساء أنيس منصور»، فيأخذ القارئ إلى عوالم النساء كما رآهنّ وفكّر فيهنّ الكاتب الكبير: من زوجات الفلاسفة والطغاة، إلى الملكات ونجمات السينما، إلى السيدات الأُوَل في قصور السياسة، وكيف التقت عنده الفلسفة بالغواية..وكيف تجاور العقل بالعاطفة؟ وكيف كانت المرأة، في نصّه، قوة خفية تحرّك التاريخ، أو ضحكة تقاوم على جدار الزمن؟ بين أم كلثوم التي تجلّت عنده ملكة بصوتها وزعامة، إلى الملكات اللواتي حكمن وقُتلن، إلى فاتنات السينما العالمية ومشاكساته الجريئة مع صورتهن، تتشكل فسيفساء معقدة لصورة المرأة في فكره: أحيانًا مرآة للحياة، وأحيانًا معركة مفتوحة مع القدر.
ويبقى السؤال معلقًا: من هي المرأة التي كتب عنها أنيس منصور في العلن، ومن هي التي ظلّت في الظل؟
بين صوت أنيس منصور وقلم تلميذه الدكتور مجدي العفيفي، الذي قرأ المذكرات بأكثر من عين، وطرح سؤال الحقيقة بلا خوف: حين ينتهي الكلام… هل تنتهي الحكاية؟ ويبقى السؤال المؤرّق معلقًا: من هي المرأة التي كتب عنها بوضوح، ومن هي التي ظلّت في الظل، تختبئ وراء كل سطر وكل دمعة؟
هذه الصفحات ليست كتابًا عاديًا، بل هي الصدى الأخير لقلمٍ ظلّ يكتب حتى وهو يتهيأ للغياب.
هنا، في مذكرات «حكيت وبكيت»، نواجه أنيس منصور كما لم نعرفه من قبل: رجلًا يخطّ أسراره بخط يده، يودِع اعترافاته في درج الحياة، ثم يغلقه كمن يترك مفتاحًا لزمن آخر.
لم تكن هذه الأوراق معدّة للنشر في حياته؛ لقد خبّأها صاحبها كأنها الوصية المجهولة، حتى سلّمها بيده لتلميذه الوفي الدكتور«مجدي العفيفي» ليبوح بها بعد أن يصمت كل شيء: بعد رحيله، وبعد رحيل رفيقة عمره. إنها أوراق لم يكتبها لأن تُقرأ… بل كأنها كُتبت ليُكتشف ما بين السطور، وما وراء الصمت.
وإذا؛ ان هذا الكتاب يُنشر للمرة الأولى، فإنه لا يُقرأ مرة واحدة؛ فهوعمل يضع القارئ أمام نصّ أخير لرجل لم يتوقف عن طرح الأسئلة حتى لحظاته الأخيرة. لقاء نادر بين صوت أنيس منصو، وقلم الدكتور مجدي العفيفي، الذي قرأ هذه المذكرات بأكثر من عين: عين المحبّ، وعين الناقد، وعين الباحث عن الحقيقة. وحين يُغلق الكتاب.. لن ينتهي الحكي.
وقال رئيس مجلس ادارة دار المعارف المهندس رزق عبد السميع في تقديمه للكتاب: نضع بين أيدي القارئ هذه المذكرات «حكيت وبكيت»، وندرك أننا أمام عمل يختلف عن كتب أنيس منصور السابقة. فهنا يكتب الرجل في لحظة مواجهة مع الذات، وهو يخط سطورًا شخصية، حميمة، لم يقصد نشرها في حياته، وإنما أبقاها سرًّا إلى أن يجيء الوقت المناسب. وقد جاء هذا الوقت بعد رحيله، حينما قرر تلميذه الأمين الكاتب الصحفي الدكتور«مجدي العفيفي» أن يفي بالوعد، ويقدم هذه الأوراق إلى دار المعارف؛ لتخرج إلى النور في أبهى صورة، مزودة بقراءة نقدية وتحليلية، تعين القارئ على النفاذ إلى ما وراء الكلمات.
وأشار إلى أن صدور هذه المذكرات عن دار المعارف ليس حدثًا عابرًا، بل هو عودة إلى الجذور، وإعلان عن مرحلة جديدة، فهي تعبير عن وفاء الدار لرجل أعطاها من فكره وإدارته، وهي أيضًا رسالة إلى القارئ بأن دار المعارف لا تزال ـ كما كانت دائمًا – بيتًا للتراث وللمعاصرة معًا ولعل أعظم ما في الكتاب أنه يجمع بين صوت أنيس منصور، وهو يكتب بقلمه في أيامه الأخيرة، وعين الدكتور مجدي العفيفي وهو يقرأ ويحلل ويضيء. كذا تتلاقى التجربتان: تجربة الحكيم الذي عاش ودوّن، وتجربة التلميذ الذي قرأ وفسّر؛ لتنتج نصًا مركبًا غنيًا، يقرأه القارئ بأكثر من عين، ويسمعه بأكثر من صوت. وهكذا تتحول المذكرات إلى حوار بين المعلم والتلميذ، بين الكاتب والناقد، بين الماضي والحاضر.



















