في خطوة تعكس التحول النوعي في خريطة التعليم العالي المصري، شهدت العاصمة الإدارية الجديدة حفل تخريج الدفعة الأولى من طلاب الجامعات الأوروبية في مصر (EUE)، في حدث يُعد تتويجًا لسياسة الدولة الهادفة إلى تدويل التعليم الجامعي، واستضافة فروع جامعات عالمية تقدم برامج معتمدة دوليًا داخل مصر، بما يتسق مع رؤية مصر 2030 لبناء رأس مال بشري قادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
إطار قانوني واستراتيجية ممتدة
أُنشئت الجامعات الأوروبية في مصر بموجب القرار الجمهوري رقم 86 لسنة 2021، واستنادًا إلى القانون رقم 162 لسنة 2018 المنظم لاستضافة فروع الجامعات الأجنبية، في إطار توجه استراتيجي يهدف إلى إتاحة تعليم عالي الجودة دون الحاجة إلى سفر الطلاب للخارج، مع ضمان المعادلة الكاملة للدرجات العلمية داخل مصر وخارجها.
وأكد الدكتور محمود هاشم عبد القادر، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجامعات الأوروبية في مصر، أن فكرة المشروع بدأت عام 2016 بالتوازي مع انطلاق مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، موضحًا أن الجامعة تمثل جزءًا من رؤية شاملة لبناء الإنسان جنبًا إلى جنب مع بناء المدن الحديثة، وبما يحقق التكامل بين التنمية العمرانية والتنمية البشرية.
شراكات أكاديمية عريقة
وتستضيف الجامعات الأوروبية في مصر فروعًا لثلاث من أعرق الجامعات البريطانية، هي: جامعة لندن، التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1836، وارتبط اسمها بتخريج 84 من الحاصلين على جائزة نوبل. جامعة وسط لانكشاير، المعروفة بقوة برامجها الهندسية وارتباطها المباشر بسوق الصناعة.
جامعة إيست لندن، التي تركز على إعداد الخريجين للمسارات المهنية الحديثة وسوق العمل المتغير.
وتقدم هذه الجامعات من خلال فرعها في مصر عشرات البرامج الأكاديمية في تخصصات متنوعة، مع اعتماد كامل من المجلس الأعلى للجامعات المصرية، بما يتيح للخريجين العمل داخل مصر أو استكمال دراستهم بالخارج دون عوائق.
«جيل التأسيس» ورسالة للمستقبل
وخلال كلمته في الحفل، وصف الدكتور محمود هاشم الخريجين بأنهم «جيل التأسيس»، مؤكدًا أن هذه الدفعة تمثل نقطة انطلاق حقيقية لتجربة التعليم الدولي داخل مصر. ووجّه رسالة مباشرة للطلاب دعاهم فيها إلى عدم انتظار الفرص، بل صناعتها، مستندين إلى ما اكتسبوه من أدوات علمية ومعرفية تضعهم في مصاف الخريجين عالميًا.
كما طمأن أولياء الأمور بأن الجامعة لا تقدم تعليمًا أكاديميًا فحسب، بل مسارًا مهنيًا واضحًا، في ظل اعتماد ومعادلة جميع الدرجات العلمية، والتي تشمل عشرات التخصصات، بما يعزز فرص التوظيف محليًا ودوليًا.
التعليم والصحة… تكامل القطاعات
ومن جانبه، أكد الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، أن تخريج هذه الدفعة يمثل علامة فارقة في مسار تطوير التعليم العالي، مشيرًا إلى الترابط المتزايد بين مجالات الهندسة والاقتصاد والحوسبة من جهة، وتطوير النظم الصحية الحديثة من جهة أخرى. وشدد على أن المستقبل سيكون لمن يمتلك القدرة على الدمج بين التخصصات، والعمل وفق منظومة قيم وأخلاقيات مهنية واضحة.
شهادة على التحول التعليمي
وفي كلمة ألقتها نيابة عن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أوضحت الدكتورة سلوى رشاد، الأمين العام لمجلس شؤون فروع الجامعات الأجنبية، أن هذا الحفل لا يمثل إنجازًا فرديًا للخريجين فقط، بل شهادة حية على التحول الشامل الذي يشهده التعليم العالي المصري. وأكدت أن الخريجين باتوا مؤهلين للقيادة والعمل في عالم شديد التعقيد والترابط، والمساهمة في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل مصر وخارجها.
إشادة دولية بالتجربة المصرية
وشهدت الاحتفالية مشاركة عدد من قيادات الجامعات الدولية الشريكة، حيث أعرب الدكتور لاري كرامر، رئيس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بلندن، عن تقديره لما تحقق في الجامعات الأوروبية في مصر خلال فترة زمنية وجيزة، معتبرًا أن الدرجة العلمية التي حصل عليها الخريجون تمثل دعوة مفتوحة للمشاركة الفاعلة في معالجة قضايا العالم المعاصر.
كما أشادت الدكتورة ماري ستياسني، نائب رئيس جامعة لندن للشؤون الدولية، بالمستوى الأكاديمي للخريجين، مؤكدة أن الانضمام إلى مجتمع جامعة لندن العالمي يضع على عاتقهم مسؤولية مهنية وأخلاقية، ويمنحهم في الوقت ذاته فرصة للانخراط في شبكة دولية تضم قادة وصناع قرار وعلماء بارزين.
نموذج قابل للتوسع
واختُتمت مراسم الاحتفال بتسليم الشهادات المعتمدة من الجامعات الأم، في تأكيد عملي على نجاح نموذج استضافة فروع الجامعات الأجنبية في مصر. ويعكس هذا الحدث قدرة الدولة المصرية على تقديم تعليم دولي تنافسي على أرضها، بما يسهم في تقليل تكلفة الابتعاث للخارج، وجذب الطلاب، وبناء أجيال جديدة قادرة على تمثيل مصر في سوق العمل العالمي.
وبتخريج أول دفعة من طلابها، تضع الجامعات الأوروبية في مصر حجر الأساس لتجربة تعليمية عابرة للحدود، تُعيد رسم ملامح التعليم العالي، وتؤكد أن الاستثمار في المعرفة هو الطريق الأقصر نحو المستقبل.
































