يدخل ملف التعليم العالي مرحلة دقيقة تتجاوز منطق التوسع العددي إلى تحدٍ أكثر تعقيدًا يرتبط بجودة المنظومة وعدالة الفرص وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا. فالتعليم الجامعي لم يعد قطاعًا خدميًا تقليديًا، بل أحد محركات التنمية الاقتصادية وبناء القوة الناعمة للدولة.
يُعد ملف الطلاب الوافدين أحد أكثر الملفات الواعدة، لكنه لا يزال دون الإمكانيات المتاحة. فالأعداد الحالية، التي تقترب من 198 ألف طالب، لا تعكس قدرات الجامعات المصرية ولا طموح الدولة التي تستهدف الوصول إلى 500 ألف طالب وافد. وتكشف هذه الفجوة عن حاجة ملحّة لإعادة هيكلة الملف، من خلال تطوير التسويق الخارجي، وتيسير الإجراءات، وتحسين الخدمات التعليمية والمعيشية، إلى جانب تحديث البرامج الدولية بما يجعل التجربة التعليمية في مصر أكثر جاذبية واستدامة.
وفي السياق نفسه، شهد ملف تدويل التعليم توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة مع تشغيل عدد من أفرع الجامعات الأجنبية داخل مصر، إلى جانب خطط للتوسع خلال الفترة المقبلة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد الفروع، بقدر ما يرتبط بضمان جودة التجربة التعليمية، وتكامل هذه الفروع مع منظومة التعليم الوطني، وتحقيق عائد حقيقي في مجالات البحث العلمي ونقل المعرفة وبناء الكوادر، بعيدًا عن الاكتفاء بالعلامة التجارية أو الشكل المؤسسي.
بالتوازي، برز توجه نحو بناء تحالفات أكاديمية إقليمية ودولية لربط الجامعات بالصناعة، وتقاسم الموارد، وتكامل التخصصات. ويُنظر إلى هذه التحالفات باعتبارها أداة مهمة لتقليص الفجوة بين الجامعات المركزية ونظيراتها الإقليمية، وتوحيد الجهود البحثية، وخلق كيانات تعليمية أكثر قدرة على المنافسة محليًا ودوليًا، شريطة أن تُدار ضمن رؤية واضحة لا تتحول معها الشراكات إلى أطر شكلية.
وتظل الخريطة التخصصية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا داخل منظومة التعليم العالي، إذ يستمر التكدس في بعض الكليات النظرية مقابل نقص واضح في التخصصات التكنولوجية والطبية الدقيقة والمجالات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والصناعة المتقدمة. هذا الاختلال ينعكس مباشرة على سوق العمل، ويعمّق الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية، ما يفرض إعادة ضبط فتح البرامج الجديدة وربطها بدراسات احتياج حقيقية، مع الحفاظ على جودة التعليم في الجامعات الحكومية باعتبارها الملاذ الأساسي لغالبية الطلاب.
ويأتي ملف نظام القبول بالجامعات، في ظل الاتجاه نحو تطبيق نظام البكالوريا المصرية، كأحد أكثر الملفات حساسية. فالتحول المرتقب يفرض إعادة النظر في فلسفة التنسيق التقليدية، والبحث عن آليات قبول أكثر مرونة وعدالة، تراعي قدرات الطلاب وميولهم، وتحافظ في الوقت نفسه على مبدأ تكافؤ الفرص وعدم الإخلال بالمجانية، وهو ما يتطلب حوارًا مجتمعيًا وتشريعيًا واسعًا قبل اتخاذ قرارات حاسمة.
إلى جانب ذلك، تواجه منظومة التعليم العالي عددًا من الملفات التشريعية والإدارية المؤجلة، في مقدمتها قانون المستشفيات الجامعية المرتبط مباشرة بجودة التعليم الطبي والخدمة الصحية، فضلًا عن مطالب أعضاء هيئة التدريس والأطباء، وشكاوى الطلاب، خاصة المصريين بالخارج وطلاب مدارس المتفوقين. وتفرض هذه الملفات على الإدارة الجديدة تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار الخاص في التعليم، والارتقاء بجودة التعليم الحكومي، واحتضان المتفوقين، مع تنسيق فعّال مع باقي مؤسسات الدولة لمعالجة المشكلات المتراكمة.











