لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مثلت محطة سياسية فارقة أعادت فتح ملف العلاقات المصرية التركيةعلى أسس جديدة، بعد سنوات من التباعد والتوتر. الحفاوة التي استقبله بها الرئيس عبد الفتاح السيسي حملت رسائل واضحة مفادها أن القاهرة تنتهج سياسة خارجية واقعية، قادرة على تجاوز الخلافات حين تفرض المصالح العليا منطقها.
جاءت الزيارة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتشابك فيه الأزمات من غزة إلى شرق المتوسط، وتزداد فيه الحاجة إلى تنسيق أوسع بين القوى الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها مصر وتركيا، بما تمتلكانه من ثقل سياسي وجغرافي وبعد تاريخي واقتصادي.
عرفت العلاقات بين القاهرة وأنقرة فترات تقارب واختلاف على مدار العقود الماضية، إلا أن مرحلة ما بعد عام 2013 شهدت ذروة التباعد السياسي. ورغم ذلك، لم تصل العلاقات إلى القطيعة الكاملة، إذ استمر التبادل التجاري، وهذا ما يعكس وجود إدراك متبادل بأهمية الحفاظ على خطوط اتصال غير مباشرة.
هذا التراكم مهّد لمرحلة التهدئة التي بدأت بخطوات محسوبة، قبل أن تتوج بزيارة أردوغان للقاهرة، كإشارة عملية على الانتقال من إدارة الخلاف إلى البحث عن مساحات مشتركة.
الشق الاقتصادي شكّل محورًا أساسيًا في المباحثات، حيث تسعى القاهرة إلى جذب استثمارات نوعية تدعم خطط التنمية والتصنيع، بينما ترى أنقرة في السوق المصرية بوابة استراتيجية للنفاذ إلى أفريقيا والأسواق العربية.
وتشير المؤشرات إلى توجه مشترك لزيادة الاستثمارات التركية في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية، في إطار شراكات طويلة الأمد تتجاوز منطق المصالح الآنية.
فإن توقيع عدد من بروتوكولات التعاون ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة، من النقل والسياحة إلى التعليم والتبادل الثقافي، يؤكد أن هناك رغبة متبادلة في إضفاء طابع مؤسسي على العلاقات، بما يضمن استدامة التقارب وعدم ارتهانه للظروف السياسية المتغيرة.
كما حملت الزيارة رسالة إقليمية مفادها أن الخلافات السياسية لا تمنع بناء علاقات متوازنة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية واحترام السيادة الوطنية.
التعاون في ظل القضايا الإقليمية الراهنة،في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة الحرب في غزة وأزمات أمن الملاحة في البحرين الأحمر والمتوسط، يبرز التنسيق المصري التركي كأحد عوامل التوازن الإقليمي. فالقاهرة تلعب دورًا محوريًا في إدارة ملفات التهدئة، بينما تمتلك أنقرة قنوات اتصال مؤثرة مع أطراف متعددة، ما يفتح المجال أمام أدوار تكاملية.
وتعكس زيارة الرئيس أردوغان إلى القاهرة تحولا تدريجيًا في طبيعة العلاقات المصرية التركية، من مرحلة التنافس السياسي إلى مرحلة الشراكة الانتقائية القائمة على المصالح المشتركة. هذا التحول لا يعني ذوبان الخلافات، لكنه يؤسس لمسار أكثر واقعية، يُعيد ترتيب الأولويات بما يخدم استقرار المنطقة.
فالتقارب المصري التركي يمثل نموذجًا لتحول العلاقات الإقليمية من منطق الصدام إلى منطق إدارة المصالح. وبينما لا تزال بعض الملفات مفتوحة، فإن ما تحقق حتى الآن يعكس إدراكًا متبادلًا بأن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بتنسيق بين قواه الرئيسية، وفي مقدمتها القاهرة وأنقرة.










