لم يكن الاحتفال بمئوية الدكتور رفعت المحجوب في معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد سرد لسيرة ، بل كان استدعاءً لمعنى أعمق: كيف يشارك الأكاديمي فى السياسة ، وكيف تتحول الجامعة من مبانٍ إلى فكرة، ومن مناهج إلى موقف أخلاقي.
في احتفالية نظمها صالون معرض الكتاب.. اجتمع لفيف ممن يعتبروا الذاكرة الوطنية والفكرية، ليعيدوا طرح السؤال القديم الجديد: ماذا يعني أن تكون أستاذًا؟ وماذا يعني أن تؤمن بأن التعليم حق لا امتياز؟
الدكتور مصطفى الفقي، الذي حضر بصفته «ذاكرة التاريخ»، لم يتحدث عن رفعت المحجوب بوصفه رئيسًا لمجلس الشعب فقط، بل كإنسان مثقف واسع الأفق، يعرف أن السياسة بلا فكر تتحول إلى إدارة، وأن الجامعة بلا استقلال تتحول إلى مدرسة كبيرة. كانت كلمته أشبه بفتح نافذة على زمن كان فيه الخلاف جزءًا من القوة، لا علامة ضعف.

الدكتورة جنات السمالوطي استاذة الاقتصاد بكلية العلوم السياسية تحدثت عن أستاذها كما يتحدث التلميذ الذي يدرك متأخرًا أن ما تلقاه لم يكن علمًا فقط، بل طريقة تفكير، وبوصلة أخلاقية. أما السفيرة الدكتورة مشيرة خطاب، فقد أعادتنا إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كما أرادها مؤسسها: مساحة للجدل الحر، ومصنعًا للشخصية العامة. قالت ببساطة وعمق إن التجربة التعليمية التي عاشتها داخل الكلية لم تقل في شيء عن الجامعات الأمريكية التي استكملت فيها الدكتوراه، وكأنها كانت تقول: المشكلة لم تكن يومًا في الإمكانات، بل في الرؤية.
المستشار عدلي حسين استعاد درسًا مبكرًا تلقاه من د.رفعت المحجوب: مقولة جريشام الشهيرة «العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق»، قبل أن يضيف المعنى الأهم: أن الأفكار الرديئة أيضًا تطرد الأفكار الجيدة إن لم تجد من يحميها. وهي جملة بدت وكأنها تلخص جزءًا كبيرًا من معركة الرجل مع الزمن.
الدكتور فخري الفقي توقف عند مأثورات المحجوب، وعند مصطلح «القطط السمان»، في تذكير بأن الرجل لم يكن أكاديميًا منعزلًا، بل صاحب لغة قادرة على الوصول إلى الناس. بينما قدم الدكتور ممدوح إسماعيل، عميد الكلية الحالي، عرضًا حيًا لتاريخ الرجل ومؤلفاته المتعددة اللغات، ولم ينسَ أن يعيد إلى الذاكرة مواقفه الصلبة في الدفاع عن استقلال الجامعة وحق التعليم، ومقولته التي لا تزال صالحة للاشتباك مع الحاضر:
«لا… لن يدخل المصريون الجامعة بشهادة فقر».

الكاتب شريف عارف أعاد رسم صورة البرلمان في زمن رفعت المحجوب، مجلسًا كانت المعارضة فيه حاضرة ومسموعة، لا ديكورًا سياسيًا، وكيف استطاع الرجل أن يدير هذا التنوع بمهارة من يعرف أن السياسة ليست إقصاء، بل إدارة اختلاف.
وعلى هامش الاحتفالية، لم يكن جناح كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في معرض الكتاب مجرد مساحة عرض، بل امتدادًا طبيعيًا لفكرة رفعت المحجوب: أن المعرفة يجب أن تخرج من أسوار الجامعة إلى الناس. تفاعل الحضور، وفضول الشباب، والأسئلة التي لم تتوقف، كلها كانت دليلًا على أن الرجل، رغم الغياب، ما زال حاضرًا بفكره.
أما ابنته الدكتورة ايمان رفعت المحجوب الاستاذ بقصر العينى فقد تحدثت عن الأب وماغرسه فيهم من قيم انسانيةو إن والدها كان يمتلك قدرة لافتة على القيام بمهام متعددة، وكان شخصًا فريدًا ومثقفًا موسوعيًا في مختلف المجالات، وديمقراطيًا في بيته، ولم يتدخل في اختيارات أبنائه لمجالات دراستهم المختلفة.
ربما كان أهم ما كشفته المئوية، أن د.رفعت المحجوب لم يكن صفحة في كتاب تاريخ، بل فصلًا مفتوحًا لم يُغلق بعد. رجل آمن بأن التعليم هو خط الدفاع الأول عن العدالة.












