لا شك أنه دون الكتابة لما وصل العالم إلى ما هو عليه من تقدم بعد العصر الحجري …إذن ألا يستحق مخترعي مبادئ الكتابة الصوتية، أي التي تعبر- في مجموعها – عن أسماء الأشخاص والأشياء دون تصويرها، تكريما يساوي (بل قد يزيد عن تكريم الإرث اللامادي) وهو الإرث الذي دأب البشر فيما يقرب من كل مجتمع متحضر على استعماله كأنه بداهة لا تقبل المناقشة … مثلا الكتابة :
• من خطر على باله أن يكتب إيصال استلام بضاعة من “فلان”؟
• من خطر على باله أن يبلغ أقاربه في القرية المجاورة أن الملك “فلان” توفى والملك الجديد اسمه “علان”؟
لا شك أن كثير من الحضارات القديمة تتمنى الحصول على شرف “أول من اخترع الكتابة الصوتية” (لأن رسم شجرة للدلالة على انها شجرة ليس فيه ابتكار أو مجهود عقلي فذ) ولكن استعمال رسم لشيء معروف ليرمز للصوت الغالب في اسمه فهذا يتطلب تفكيرا يصحبه خيال.
لننظر إلى الصورة أعلاه لنكتشف أنها تكاد تنطق “مياه” ولكن أي مياه؟ كل حضارات العالم نشأت قرب مياه أما الحضارة المصرية القديمة فقد فرقت بين نوعين من المياه :
• مياه النيل الذي يمنح جدودنا الحياة.
• مياه المحيط الإلهي الذي لا نراه لأنه كان في بداية الخليقة (في معتقداتهم)
لذلك استعملوا الخط المتعرج أفقيا ليرمز للمحيط الإلهي “نون” بينما ماء النيل والبحيرات فيرمز له بخط متعرج رأسي
ومع بناء الأهرام وازدياد الطلب على معدن النحاس لقطع ونحت الأحجار استخدمت بعثات “الثروة المعدنية” سكان سيناء من المصريين الذين ينتمون إلى قبائل تنطق بلغة سامية مختلفة عن لغة إخوانهم في وادي النيل، وحيث أن نسبة المعدن في الأحجار الطبيعية لا تتعدى ٢٪ فكان لابد من نقل أكثر من ٥٠ مرة حجم الخام المعدني من الأحجار.
ربما في يوم شديد الحرارة وما يتبعها من عطش، حاول أحد هؤلاء العمال تقليد كتابة مهندسي التنقيب، فتصور زميل له أنه يحلم بالماء من فرط عطشه وقال له “ميم” (أي ماء بلغته السامية) …
واحتفظ هذا الرمز بشكل الخط الأفقي المتعرج مقترنا بمحتواه الصوتي في اللغات اللاتينية ” M ” إلى أيامنا هذه.
بعد أن وضحت الفكرة انتشرت الكتابة بالتعاون الإبداعي بين حضارة مصر واجتهاد مصريي سيناء.
وكما نشرتُ في مقال سابق عن قياس الزمن، لم تقتصر الابتكارات المصرية الأصيلة على قياس الزمن واختراع الكتابة الصوتية بل تعدتها إلى ورق البردي (حامل الكتابة) و … إلى إبداع نجيب محفوظ وأم كلثوم وأحمد زويل وغيرهم كثيرين …
فهل نجد لهذا الإرث الحضاري سجلا خاصا في اليونسكو بجانب سجل “التراث اللامادي” بإسم “التراث الوجداني” لاختلافه عن غيره من ناحية انتشاره الواسع وتطبيقه وجدانيا؟











