لم تعد صناعة الدواء في مصر مجرد ملف اقتصادي تقليدي، بل أصبحت أحد ركائز الأمن القومي والصحة العامة والتنمية المستدامة. الدولة اليوم تسعى لتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبناء قدرة تنافسية إقليمية يمكنها الصمود في مواجهة تحديات الأسواق العالمية. وهذا يتطلب تطويراً متكاملاً للمنظومة الدوائية، يشمل التنظيم، والتكنولوجيا، وبناء كوادر متخصصة قادرة على قيادة التحول الرقمي والتصنيع الذكي.
وفي هذا الإطار، برز دور الجامعة الألمانية الدولية (GIU) باستضافتها ملتقى ممارسات التصنيع الآلي الدوائي الجيد (GAMP) لأول مرة في الشرق الأوسط وأفريقيا. فالجامعة لم تكتف بدور أكاديمي تقليدي، بل قدمت نفسها كمنصة استراتيجية تجمع الصناعة والجهات التنظيمية والتعليم في مكان واحد، وتتيح المشاركة الفعلية في مناقشة وتطوير المعايير الدولية، بما يتوافق مع احتياجات السوق المحلي وأهداف الدولة طويلة المدى.
وتتمثل أهمية الملتقى في تركيزه على التحول الرقمي، والتشغيل الآلي، والذكاء الاصطناعي داخل مصانع الدواء، باعتبارها أدوات رئيسية لتعزيز الكفاءة وضمان الجودة. غير أن هذا التطور التكنولوجي لا يكتمل إلا بالالتزام الصارم بمعايير السلامة والامتثال وحماية المرضى، وهو التوازن الذي تسعى مصر لترسيخه في منظومتها الدوائية.
كما لعبت الجمعية الدولية للهندسة الصيدلية (ISPE) دوراً محورياً كشريك علمي وتنظيمي عالمي، حيث توفر خبرتها في وضع معايير ممارسات التصنيع الجيد ومتابعة أحدث التطورات في التشغيل الآلي والتحول الرقمي.
وشراكتها مع الجامعة الألمانية الدولية في الملتقى أضافت بُعداً دولياً هاماً، ومنحت المؤسسات المصرية فرصة التفاعل مع أفضل الممارسات العالمية والمساهمة في صياغة توجهات الصناعة على المستوى الإقليمي والعالمي.
ويعكس حضور هيئة الدواء المصرية تطور المنظومة الرقابية وقدرتها على مواكبة أفضل الممارسات الدولية، خاصة بعد حصولها على اعتماد منظمة الصحة العالمية بمستوى النضج الثالث (WHO ML3). هذا الاعتماد يعزز ثقة الشركاء الدوليين في السوق الدوائي المصري ويدعم قدرته على التوسع الإقليمي وجذب الاستثمارات، ما يجعل التحول الرقمي والامتثال العالمي جزءًا أساسيًا من استراتيجية الدولة.
ولا يمكن تجاهل أهمية العنصر البشري في نجاح هذا التحول، حيث أصبح التصنيع الذكي قائماً على كوادر تمتلك مزيجاً من المعرفة الهندسية والصيدلانية والوعي التنظيمي. ومن هنا تأتي أهمية ربط التعليم الجامعي باحتياجات الصناعة، وتأهيل متخصصين قادرين على إدارة المصانع الحديثة والأنظمة الرقمية المعقدة بكفاءة ومسؤولية.
كما تؤكد مشاركة شركات ومصانع الدواء المحلية والعالمية في الملتقى أن السوق المصري أصبح بيئة جاذبة لتطبيق التكنولوجيا الحديثة وفق معايير تنظيمية واضحة، ويعكس تحول مصر إلى ساحة تفاعل إقليمي في ملف التصنيع الدوائي الذكي.
وفي النهاية، ما يشهده ملف صناعة الدواء في مصر اليوم ليس مجرد تطوير تقني أو توسع صناعي، بل هو نموذج حي لاستراتيجية الدولة في بناء منظومة متكاملة تقوم على التعليم والابتكار والتنظيم الصارم. مصر لم تعد تكتفي بالامتثال للمعايير الدولية، بل تسعى للمشاركة الفاعلة في صياغتها، لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للصناعة الدوائية، قادر على المنافسة العالمية، وضامنًا للأمن الدوائي لمواطنيها، ومستعدًا لقيادة تحول ذكي ومستدام يرتكز على المعرفة والكفاءة الوطنية.










