لم تكن الملكة نفرتاري مجرد زوجة ملك عظيم، بل كانت هي ذاتها ظاهرة حضارية متكاملة، تجسّد نموذج الملكة المثالية في مصر القديمة؛ جمالًا وفكرًا ومكانةً ورمزًا. فحين نذكر نفرتاري، فإننا لا نستدعي صورة امرأة جميلة فحسب، بل نستحضر معنى أعمق للجمال، كما فهمه المصري القديم: جمال الروح والعقل والقدرة على تمثيل النظام الكوني «ماعت».
حملت نفرتاري لقب الزوجة الملكية العظمى للملك رمسيس الثاني، واسمها «نفرتاري مريت إن موت» يعني الجميلة، حبيبة الإلهة موت. وهو اسم دال، لا يُمنح عبثًا، بل يعكس مكانتها الدينية والرمزية داخل البلاط الملكي. لقد ظهرت نفرتاري في النقوش وهي تشارك الملك الطقوس والشعائر، وتُقدِّم القرابين، وتخاطب الآلهة بثبات ووقار، في مشاهد تؤكد أنها لم تكن ظلًا للملك، بل شريكًا رمزيًا في الحكم والقداسة.
وكان لجمال نفرتاري بعدٌ سياسي وثقافي واضح. فقد لعبت دورًا مهمًا في العلاقات الدبلوماسية لمصر، خاصة مع الدولة الحيثية، وتبادلت الرسائل والهدايا مع ملكتها، في مشهد نادر يعكس الثقة والمكانة الدولية للملكة المصرية. هذه المراسلات تكشف عن امرأة واعية بدورها، مدركة لقيمة مصر ومكانتها، وقادرة على تمثيلها بلغة الحضارة لا بلغة القوة وحدها.
أما ذروة تجلي نفرتاري، فتتجسد في مقبرتها الشهيرة بوادي الملكات (QV66)، التي تُعد من أجمل المقابر في مصر القديمة، بل في العالم كله. جدران المقبرة ليست مجرد نصوص جنائزية، بل رحلة فلسفية وروحية، تظهر فيها نفرتاري وهي تعبر العالم الآخر، تحاور الآلهة، وتُستقبل بترحاب، كأنها واحدة من الخالدين. الألوان الزاهية، والدقة الفنية، والانسجام بين النص والصورة، كلها تشير إلى مكانة استثنائية لم تحظَ بها إلا قلة من ملكات مصر.
لقد أحبها رمسيس الثاني حبًا صادقًا، ويتجلى ذلك في معبدها الصغير بأبو سمبل، حيث نراها مساوية له في الحجم، في كسر واضح للتقاليد الفنية، إذ لم تُصغَّر صورتها كما جرت العادة، بل وُضعت ندًّا للملك، في رسالة بصرية تقول إن الجمال هنا سلطة، وإن المكانة لا تُقاس بالجنس بل بالقيمة.
نفرتاري، في جوهرها، كانت فكرة أكثر منها شخصًا: فكرة الملكة التي تجمع بين الأنوثة والقوة، بين الجمال والحكمة، بين الأرض والسماء. ولهذا بقي اسمها خالدًا، وبقي جمالها حيًا، لا لأنه جمال وجه فقط، بل لأنه جمال حضارة آمنت بأن الإنسان يمكن أن يقترب من الخلود بالفن والمعنى.
وهكذا، تظل نفرتاري…
جميلة الجميلات، وملكة الخلود الأبدي.
الدكتورة هند الشربيني مدير عام البحث العلمي بوزارة السياحة والآثار وأستاذة المصريات.











