يبدو أن التصريحات الصادرة عن الرئيس ترامب وتصعيد لهجته تجاه إيران والتلويح بتوجيه “ضربة قوية جدًا” إذا سقط مزيد من القتلى في صفوف المتظاهرين خلال الاحتجاجات المستمرة للأسبوع الثاني بسبب تدهور الأوضاع المعيشية قد حفزت العديد من مراكز الفكر الغربية على إصدار تقديرات موقف حول الاحتجاجات والخيارات المتاحة أمام النظام الإيراني ، ويأتي مركز ستيمسون (Stimson) فى مقدمة تلك المراكز ، وجاء فى التقرير الصادر عنه أن سرعة تدفق المعلومات حول الأوضاع والحراك الميداني في إيران تعكس قدرة متنامية على كسر القيود الرقابية، وتوسيع الإدراك المجتمعي بما يجري بمختلف المناطق، غير أن هذا الزخم لم يتحول بعد إلى بنية تنظيمية متماسكة قادرة على توحيد الجهود وتنسيق الاحتجاجات وطنيًا، ولم يكن تقرير مجلس العلاقات الخارجية CFR بعيداً عن هذه التقديرات إذ ركز على تزامن الاحتجاجات الإيرانية مع ذروة ضغوط اقتصادية، وأنها تعكس غضبًا اجتماعيًا يتخذ أبعادًا سياسية من دون أن يرتكز إلى قيادة موحّدة، فى حين يضيف خطاب وتهديدات «ترامب» عامل ضغط خارجي يزيد المشهد تعقيدًا من دون أن يمسّ بجوهر الأزمة الداخلية .
هذا، وقد ذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) فى تقدير موقف صدر مؤخراً أن محدودية خيارات النظام الإيراني تعكس عجزًا متزايدًا عن احتواء الغضب الشعبي، في ظل شعور القيادات بالحصار بين ضغط الشارع وتصاعد التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري، ما يقلّص هامش المناورة لديهم، ويقوّض شرعية الدولة، وذهبت تقديرات منتدى الشرق الأوسط (MEF) إلى زاوية مختلفة عن ما تناولته المراكز الأخري ، وإن كانت تعد أهمها فالإنهيار المحتمل لنظام سياسي فى دولة بحجم إيران لن يكون نزهة بل قد يفضي انهيار النظام الإيراني إلى إعادة تشكيل عميق للتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، غير أنّ هذا السيناريو يظل عالي المخاطر بفعل غياب بديل مُنظم واحتمالات الانزلاق إلى فوضى وصراعات جديدة، ويبدو أن الإدارة الأمريكية لا يوجد لديها إدراك لردود الأفعال المتوقعة فى دول ومجتمعات المنطقة .
يلاحظ أن الاحتجاجات الإيرانية تُشكل تحديًا غير مسبوق للنظام الإيراني منذ 2022، وهو ما ركزت عليه اللجنة اليهودية الأمريكية فى تقرير لها صدر قبل يومين ، إذ تجاوزت مطالب الاحتجاجات البعد الاقتصادي إلى السياسي، بينما يفاقم اعتماد القمع الأمني مخاطر التصعيد ويزيد الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة، ويهدد الاستقرار الداخلي. كما سبق أن أصدر معهد الأمن القومي الإسرائيلي INSS فى اليوم الأخير من العام الفارط تقييم موحد عن مستقبل البرنامج النووي الإيراني يخلص إلى أن الحمود الجارى فى الملف النووى الإيراني سيجبر طهران على اتخاذ قرارات حاسمة خلال الأشهر المقبلة ، فى ظل نزاع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ومواجهة مع واشنطن وتهديدات مستمرة من تل أبيب ، ونظراً لمحدودية خيارات التفاوض يبقي أي حل للأزمة التنويم الإيرانية غير منظور فى المدي القريب ، وفى تقديرنا المتواضع أن تل أبيب نجحت فى حشد المجتمع الدولي وتركيز الاهتمام علي القدرات النووية الإيرانية والبرنامج النووى في حين تتوغل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية فى الداخل الإيراني وتعمل علي تأجيج مشاعر الغضب.
لعل الأيام القادمة تحمل المزيد من المفاجآت لمنطقتنا المتأزمة ، وإن كان المنطق السليم والدول المحورية ( مصر ، السعودية ) تعى -جيداً- أن وجود دولة فاشلة جديدة Failed State بالشرق الأوسط علي اتساعه ( بما فى ذلك القرن الأفريقي وآسيا الوسطى ) لن يكون فى صالح أمن دول المنطقة ككل ومناطق تماسها ( الخليج العربي – المغرب الغربي) والفكر الترامبي لتغيير أنظمة سياسية بالقوة وإيجاد أنظمة بديلة تقوم بأدوار وظيفية تخدم أهدافه التوسعية والاقتصادية يجعل من العام الجديد بمثابة عام شيطنة العلاقات الدولية ، وربما يظهر ذلك كانتقام افتراضي من الكوكب لعدم حصوله علي جائزة نوبل للسلام ، لذا قرر ترامب تكثيف سياسات الاستعداء والتدخلات السياسية والعسكرية ( فنزويلا ، ويبدو أن جرينلاند في الطريق ) فى دوائر جغرافية متنوعة .











