ماذا يجعل سيدة في قرية في دولة نمط الحياة فيها مغاير ان تهتم باحياء فن من دولة اخري ؟ لماذا يصل الشغف حد ان تكرس جهودها فوق عشرين عاما لهذا الهدف دون هدف ربحي مالي رغم الصعوبات و الانتقادات؟ و لماذا تقبل مجتمعها في النهاية هذا الفن و اقبل عليه ؟ و هل توجد اسباب لاواعية وراء الدافع و المثابرة و التقبل المجتمعي ؟
كانت كريستينا تبيع الملابس في قرية مجرية، حتي حضرت عرضا للرقص الشرقي قدمته راقصة من بوداپست في مدينة مجاورة. تجاوبت مع الموسيقي الشرقية المصاحبة؛ فالموسيقي غذاء الروح، تخاطب الوجدان، تتسلل اليه، و ترسخ فيه، و أعجبتها الإيقاعات و الحركات الراقصة. لم يكن ذلك الاحساس امرا عارضا، بل شعورا متجددا جارفا، و دافعا لها ان تدرس في بودابست لتحصل علي ترخيص بتعليم الرقص الشرقي ، تسافر اليه خصيصا في نهاية الأسبوع ١٥٠ كم لتعود مع بداية الاسبوع التالي، ففي ظنها ان الترخيص الذي يعلم ذلك الرقص باعتباره أحد الرياضات بتدريب النساء من مختلف الاعمار بما فيهن الأطفال هو أمر يستحق العناء، بل و تطبيقه في مسيرة ارادة و مثابرة و تصميم خمسة و عشرين عاما حتي أثمر ما بذلته من جهد.
عندما بدأت تدريب النساء في قريتها لاقت تحفظات؛ فالبعض يخشي التغيير لأنه بغريزة الخوف يثير الاحتمالات غير المتوقعة، و يفضل للأمان ان تدربهن علي الرقص الفولكلوري المجري المألوف، و البعض يري في بعض حركاته الغريبة إثارة، فالمرء عدو لما يجهله، لكن فضلا عن انه رياضة لامتلاك جسم رياضي كالألعاب السويدية و الچيم،فهو يؤدي بإيقاعات موسيقية ترويحية فيقل الشعور بالتعب، و هذه الإيقاعات تمنح حالة شعورية وجدانية أخاذة تختلف عن موسيقي رياضة الزومبا ، و الأكثر من ذلك انه يشعر المرأة بأنوثتها في اطار جماعي، و تفخر بجاذبيتها، و تفرح بتلقائيّتها و حريتها و باعجاب المشاهد. لكن هل فعلا ذلك كل ما في الأمر أم ان هناك دوافع لاواعية ، و ان كانت مؤثرة!
علي مدي عشرين عاما زاد عدد المتدربات من مختلف الاعمار و التخصصات بما فيها الأكاديمية ، و زادت العروض علي مستوي القرية و المحافظة و في النمسا المجاورة، بل حصلت بعض الراقصات، و كلهن هواة، علي جوائز علي مستوي الدولة، و رغم ان وباء الكورونا قلص العدد و التدريبات، الان انه اصبح الان خمسين راقصة. في البداية كانت كريستينا تشتري الأزياء في رحلات لتركيا، إلا انه الان توجد خياطات بالقرية، بل و بعض الراقصات تصنعن ملابسهن. و اصبحت العروض تلقي ترحيبا من جهور يتسري ، و يحترم ان تكون الراقصات من الاسرة و الاقارب و المعارف.
رغم ان الرقص الشرقي منتشر في العالم الغربي، إلا انه شائع في المجر بالذات بمدارسه علي مستوي الدولة، حتي ان فرقا مجرية فازت بمسابقات دولية بالمركز الاول ، فما الدافع؟ وافقتني كريستينا علي استنتاج انه من المحتمل ان تكون بعض الاصول العرقية للشعب المجري و تاريخه وراء ذلك، ففضلا عن ان قبائل الآڤار و المغول الأسيوية غزت المجر، و اختلطت بسكانه ضمن شعوب اخري إلا ان شعب المجر الرئيسي الذي سميت المجر علي اسمه هو شعب ترجع اصوله مثل التتار و الفنلنديين الي منطقة ما وراء جبال الأورال الأسيوية، كما خضعت المجر قرنا و نصف الي الحكم العثماني بتأثيراته الشرقية و الأسيوية. و هكذا فالرقص الشرقي الذي بدأ في مصر القديمة و احتفالاتها وفق المؤرخين، هو في المجر في ظني بمثابة عودة الي الأصول و إحياء للجذور، و تواصل مع النفس و الشعوب ذات المشترك في الجذور او الثقافات.
لا يسع القادم من مصر إلا ان يسعد بالتقارب بين الشعوب من خلال الثقافة و الفن، و بالسعادة لان موسيقاه و اغانيه تلقي رواجا و تجاوبا بمودة، و لا يملك إلا الاعجاب بمبادرة و جهد و مثابرة و شغف كريستينا التي لبت نداء الروح حتي حققت هذا الإنجاز ، و التقدير لجهد الراقصات الهواة و الاتقان، و للاحترام الذي يشعر به الجمهور للأداء و تقبله للجديد في الفن و الحياة بعقل متفتح و صدر رحب، فلا ثابت في الحياة إلا التطور، و من خلاله يتسع الوعي و تنبني الحياة.
د. هادي التونسي
طبيب و سفير سابق