لم تكن زيارة رئيس الولايات المتحدة إلى منطقة الخليج في منتصف مايو الماضي تقليدية؛ فترامب شخصية استثنائية، ونسخة ولايته الثانية تختلف كثيرًا عن الأولى، إذ لا يعبأ كثيرًا بالأعراف الدبلوماسية وحدودها، وكيف يلتزم بها إذا كانت الحدود الجغرافية لا تُقيّد تصوراته الاقتصادية والاستثمارية! فالحديث عن ضم كندا للولايات المتحدة يكشف الكثير عن أطروحاته السياسية والإقتصادية داخل الولايات المتحدة وخارجها .
وإذا كانت تصريحات ترامب تنطوي فى أغلب الأحيان على خطاب ترهيبي ودبلوماسية خشنة، فهل يمكن تصوره مؤمنًا بأهمية القوة الناعمة في تعزيز صورة الدولة وعلاقاتها الخارجية؟ وهل يدرك أن الدبلوماسية العامة قد تُسهم في تحسين التواصل السياسي بين القادة؟ وهل تنجح إدارته في توظيف استضافة مناسبات رياضية دولية، مثل كأس العالم للأندية في يونيو المقبل والتنظيم المشترك لكأس العالم 2026، لتحسين علاقاته بدول الجوار، ككندا والمكسيك؟
رغم كل التساؤلات ، فإن الشواهد تشير إلى نمط دبلوماسي استثنائي قد يتطور إلى مدرسة جديدة في العلاقات الدولية تُنسب إلى ترامب الذى يهوي تحقيق إنجازات تنسب له ، فضلاً عما أظهرته الأشهر الخمسة الأولى من ولايته الثانية، سواء من دبلوماسية الاستعلاء (كما ظهر في حديثه مع رئيس جنوب أفريقيا فى البيت الأبيض) أو دبلوماسية الاستحواذ (صفقة المعادن مع أوكرانيا)، وغيرها من السمات التي تميز تعامله مع ملفات السياسة الخارجية، وإن كان لديه بعض الأفكار عن تطوير الرياضة والاستثمار الرياضي ، ولديه علاقات طيبة بالرياضيين .
ونظراً لعدم إقتناع ترامب بقيمة الأدوات التقليدية في تنفيذ سياساته الخارجية،وتفضيله الإعتماد على مستشارين وشخصيات اقتصادية نافذة ، رافقوه في أولى جولاته الخارجية، وكذلك تواجد رئيس الفيفا فى محطتين من الجولة ، فمن المهم التوقف عند بعض مشاهد الدبلوماسية الرياضية خلال زيارته لدول الخليج، إذ تُعد كرة القدم والاستثمار الرياضي من أبرز صور الدبلوماسية العامة ، أخذاً فى الإعتبار أنه علي الرغم من تواجد رئيس الاتحاد الدولي (فيفا) ضمن وفد المستثمرين والرؤساء التنفيذيين للشركات الكبري المرافقين لترامب، وشعور إنفانتينو بالفخر لمشاركته في جولة حافلة باتفاقيات تاريخية، إلا أنه واجه انتقادات حادة من أعضاء كونجرس الفيفا، خاصة الأوروبيين، لتأخره عن اجتماع الكونغرس في باراجواي، معتبرين أن زيارته للرياض والدوحة جاءت على حساب الالتزامات الرسمية ، وتغليبًا لطموحاته الشخصية، وبذلك لا تخلو الرياضة من حسابات السياسة على مستوي الإتحادات ؛
المشهد الأول : خلال مشاركته فى منتدي الاستثمار السعودي الأمريكي فى الجلسة التى حملت عنوان ” الطريق إلى ٢٠٣٤ … الشراكات والتقدم نحو كأس العالم فى السعودية ” أكد إنفانتينو فى الكلمة التى ألقاها على أن السعودية تعد من أبرز الدول المستثمرة فى كرة القدم على مستوي العالم ، وأن إستضافتها للمونديال تعد لحظة فارقة فى تاريخ اللعبة الشعبية الأولي علي مستوي العالم ، وأن كرة القدم تشكل إقتصاداً ضخماً ، إذ يُقدر الناتج المحلى الإجمالى المرتبط بها بنحو ٢٧٠ مليار دولار فى العام .
المشهد الثاني: إهداء أمير قطر الكرة الرسمية لكأس العالم 2022 للرئيس ترامب، ما يعزز دور الدبلوماسية الرياضية في توثيق الروابط بين الشعوب والدول، ويُظهر مكانة كرة القدم في الفضاء السياسي والدبلوماسي، وقطر لديها نموذج ناجح فى الرعاية بالمنافسات الأوروبية وحصد باريس سان جيرمان لقب دوري أبطال أوروبا يعزز ذلك الإستثمار الذى بدأ منذ عدة سنوات.
المشهد الثالث: الحوار الذي دار في أبو ظبي بين ترامب وخلدون المبارك، رئيس مجموعة سيتي، والذي تطرق إلى الاستعدادات الجارية لافتتاح ملعب نيويورك سيتي قبل أولمبياد 2028. وقد أبدى ترامب اهتمامًا واضحًا بالحديث الذى يبرز كيف تسهم الدبلوماسية الرياضية في دعم البنية التحتية بالدول، علماً بأن إهتمامات مجموعة سيتي المدعومة من صندوق ‘ مبادلة ‘ الإستثماري تمتد إلى الدول الأوروبية واللاتينية .
وتعكس هذه المشاهد تطور العلاقة بين الرياضة والاستثمار، فلم تعد تقتصر على شراء أندية، بل باتت تشمل منظومات متكاملة تضم فرقًا وملاعب وعلامات تجارية. النموذج الروسي في تشيلسي، ثم دخول المستثمرين الصينيين، وكذلك الاستثمار العربي الذي ظهر مع دخول محمد الفايد دائرة الاستثمار فى الأندية الإنجليزية ، تلك التحركات تطورت بشكل سريع ، وأصبح الاستثمار الرياضي أكثر تعقيداً وتشابكاً على الصعيدين المحلي والدولي.
إجمالًا، ترسم زيارة ترامب إلى الرياض والدوحة وأبو ظبي ملامح جديدة للتقاطع بين الرياضة والاقتصاد والسياسة، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الرياضية، التي أصبحت محل اهتمام متزايد من قادة العالم باعتبارها أداة فعالة لتقديم القوة الناعمة وتعزيز الروابط بين الدول بعيدًا عن القيود التقليدية للسياسة، وتُعد دول الخليج من أبرز النماذج فى توظيف الرياضية لتعزيز مصالحها الخارجية .