شعر و موسيقي، رقص وفكاهة، وجبات و مشروبات، حكم و وصايا، جمع المتقاعدين لبوا دعوة سنوية في قاعة القرية من عمدتها التي لم تكتف بالترحيب بشعر الحكمة، بل دارت مع سابقتها بين الموائد في تواضع تقليدي تقدم الطعام المجاني لمدعوين، يتجاورون و يتسامرون في احترام وتضامن ،و في مودة و مساواة علي اختلاف مكانتهم و خلفياتهم. جدود فخورون بأحفاد يرقصون، و احفاد اوفياء يسرون علي جدود، أكملوا مسيرتهم، فتكرمهم ادارة قريتهم ، شعور بالامان و الانتماء يشيع، و ممارسة للتضامن و العرفان تذيع. المجر يشيخ غالب سكانه، لكنه في الريف يرعاهم، و يذكر فضلهم، و أطفال ينشأون علي الوفاء و التراحم، علي اللطف و الأدب الجم؛ تقاليد إنسانية راقية، و عادات متمدنة راعية، قرية بها مشاعر الأسرة الكبيرة بتواصل و مودة، بسلام و رحمة.
و وسط هؤلاء، بين الكادحين و الموسرين، و الأصحاء و المرضي، لا نعرف من في رحلة الحياة يبقي قليلا، و من يرحل قريبا، و من يشعر انه مازال بروح الشباب، و من يعيش انتظارا للأجل ، من يقيم وحيدا، و من يمتلئ وقته مع الأولاد و الأحفاد ، من تحامل علي مرضه ليحضر، و من تعجب مختالا ان هؤلاء المسنين في مثل عمره، لكنها هكذا هي حفلة الدنيا او رحلة العمر، و مع كل تناقضاتها لا جديد علي وجه البسيطة؛ أيام تمضي، و أقدار تسري، و كله الي حين.
د. هادي التونسي
طبيب و سفير سابق